كلمة الكاتب محمد الأمين ولد الفاظل في اليوم المفتوح (تعريب الإدارة: واجب دستوري، ومطلب تنموي، ومظهر سيادي)

أيها الجمع الكريم،

نلتقي اليوم في هذا اليوم المفتوح، لا لنكتفي بالحديث فقط عن تعطيل المادة السادسة من الدستور الموريتاني في أغلب الإدارات الحكومية والمؤسسات الخصوصية، وحتى لدى ممثلي المنظمات الدولية العاملة في بلادنا، بل نلتقي لنطالب بصوت عالٍ بتفعيل هذه المادة المعطَّلة من الدستور، ولنَتَّخِذ بعض الإجراءات العملية في سبيل ذلك.

فمن المؤسف حقًّا أننا، بعد خمسٍ وستين سنة من الاستقلال، وأربعٍ وثلاثين سنة من المصادقة على دستور 1991، ما زلنا بحاجة إلى أن يُصدر وزيرٌ تعميمًا لتعريب وثائق وزارته. وإذا ما أصدر وزير تعميمًا من هذا النوع ـ وهو أمر نادر ـ لا نعرف حينها: أَنفرح أم نحزن؟

أَنفرح لأن قطاعا وزاريا سيُعرِّب وثائقه بعد طول انتظار؟ أم نحزن لأن العمل بنص مادة دستورية أصبح هو الاستثناء، ويحتاج في كل قطاع إلى تعميم يصدره وزير أو مدير؟ أم نحزن أيضا لأن وزاراتٍ عديدةً أخرى ما تزال تُعطِّل مادةً من الدستور، لأنها لم تحظَ بوزير يُفَعِّلها بتعميم يصدره؟

والمؤسف أكثر أننا لم نعد نعرف: هل الأفضل لنا أن نطالب بترجمة الوثائق الإدارية إلى اللغة الرسمية أم لا؟ فترجمة الوثائق الإدارية إلى اللغة العربية تتم في الغالب الأعم باستخفافٍ كبير، وتكون الترجمة رديئةً في أغلب الحالات، لأنها ترجمة أعِدت فقط لمجاملة من يطالبون بتعريب الوثائق الإدارية.

والأمثلة على عدم الجدية في تعريب الوثائق الإدارية عديدة، كان آخرها فضيحة حدثت الشهر الماضي، تتعلق بسيارة خَصَّص لها المجلس الأعلى للزكاة خمسين مليون أوقية قديمة من ميزانيته، حسب ما نشرت بعض وسائل الإعلام نقلًا عن مشروع قانون المالية المقدم إلى البرلمان في نسخته العربية.

أما النسخة الفرنسية فقد ضُبطت الأرقام فيها، حيث أكد المجلس الأعلى للزكاة في رده على وسائل الإعلام ـ بما يُفهم منه بشكل أو بآخر ـ أن النص العربي لا يُؤخذ به، وأن المعتمد هو ما جاء في النص الفرنسي، الذي بيَّن أن المبلغ كان مخصصًا لعدة سيارات لا لسيارة واحدة، كما ورد في النسخة العربية.

أيها السادة والسيدات،

علينا أن نعلم أنه لا إصلاح للتعليم دون التدريس باللغة الأم؛ فهذا ما تؤكده الهيئات الدولية المختصة، كما تؤكده تجارب الدول، فلم تنهض دولةٌ دون الاعتماد على لغتها الأم، إن كانت لها لغة أم يمكن التدريس بها.

ولا إصلاح للإدارة دون تقريب خدماتها من المواطن، ولا يمكن للإدارة أن تكون قريبة من المواطن إذا كانت تخاطبه بلغة أجنبية لا يفهمها.

ولا محاربة للفساد دون رقابة شعبية فاعلة، ولا رقابة شعبية فاعلة ما دامت الصفقات العمومية، التي تذهب فيها نسبة كبيرة من الميزانية، تُنشر وثائقها بلغة أجنبية لا يفهمها إلا عدد قليل جدًّا من الموريتانيين، لا يصل إلى نسبة 10%.

ولا ترقية اجتماعية يمكن أن تتحقق في بلدنا هذا ما دام أبناءُ الفقراء، حملة الشهادات بالعربية، يُقْصَوْن من العمل في كثير من الإدارات والمؤسسات الخصوصية، التي ما يزال العمل فيها حكرا على من أُتيحت لهم فرص تعلم لغة أجنبية ما تزال هي المهيمنة في سوق العمل.

ولا وحدة وطنية يمكن أن تتحقق في بلد لا توحده لغة رسمية واحدة يتحدث بها جميع مواطنيه.

أيها السادة والسيدات،

لسنا أصحابَ مشكلة مع أيةٍ لغة، ونؤمن بأن الإنسان كلما تعلم لغاتٍ أكثر زادت معارفه وقدراته، ولسنا في عداء مع اللغة الفرنسية ولا مع أي لغة أجنبية أخرى؛ فاللغات ليست أصلًا محل عداء.

نحن لا نعادي اللغة الفرنسية، ولكننا في الوقت نفسه لا نقبل بتهميش لغة القرآن، لغة دستور بلادنا، ولا نقبل بأن تنتزع اللغة الفرنسية مساحة لا تستحقها في الإدارة وخارج الإدارة، على حساب لغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية الأخرى، التي لن تتطور ما دامت اللغة الفرنسية تستولي على مساحات في الإدارة والإعلام ليست من حقها.

هناك مغالطة لم يعد مقبولا التسليم بها؛ فالشخص البار بوالدته لا يعني أنه عاق لأمهات الآخرين، والشخص المحب والمقدِّر لوطنه لا يعني أنه خائن لأوطان الآخرين، وعلى نفس القياس نقول إن الشخص الذي يدافع عن لغة بلده الرسمية ويرفض تهميشها، لا يعني أنه يكره لغات البلدان الأخرى.

نحن لا نعادي اللغة الفرنسية، بل نقبل بأن تكون اللغة الأجنبية الأولى في بلدنا، حتى وإن كان اختيار اللغة الإنجليزية لغة أجنبية أولى، أكثر فائدة لبلدنا.

نقبل بالفرنسية لغة أجنبية أولى، ولكن بشرط أن تظل في حدودها كلغة أجنبية أولى، وألا تستولي على مساحات في الفضاء الرسمي والعام ليست من حقها، وألا يكون ذلك على حساب لغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية.

أيها السادة والسيدات،

إن هذا اليوم المفتوح ليس مناسبة لتبادل للخطب والمداخلات، ولا للاحتفاء باللغة العربية بأنشطة بلا تأثير ولا أثر، بل هو يوم نريده أن يشكل فاتحة لمسار جدي يترك أثرًا ملموسًا في تعريب الإدارة. وسيتضمن هذا اليوم المفتوح:

1- إطلاعكم على نص عريضة الثامن والعشرين من نوفمبر للسيادة اللغوية، الموقعة من طرف سبع وستين منظمة وهيئة فاعلة؛

2- الإعلان عن مقترح قانون نظامي لتطبيق المادة السادسة من الدستور، أعدته الحملة الشعبية، وسيُسلَّم إلى رؤساء الفرق البرلمانية كافة من أجل اقتراحه بشكل جماعي؛

3- فتح نقاش موسع حول أهمية تعريب الإدارة، سيتم من خلاله توثيق مداخلاتكم وتوزيعها على نطاق واسع لتصل إلى جمهور أكبر.

ختاما، نقول بلسان عربي فصيح:

كفى تعطيلا للمادة السادسة من الدستور الموريتاني؛
كفى تهميشا للغة القرآن في إدارة الجمهورية الإسلامية الموريتانية.

إن الدولة التي لا تحترم لغتها الرسمية، لن تُحترم قوانينها، ولن تُحترم مؤسساتها.

أشكركم، وأتمنى لكم يوما مفتوحا ناجحا.

#الأيام_نت
#تابعونا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى