دعوات الوحدة: وجاهة الفكرة واستعداد المجتمع / محمد وفد لحظانه

طالعتُ، كغيري على هذا الفضاء الافتراضي، مقترحًا تقدّمت به معالي الوزيرة السابقة مهلة بنت أحمد ولد طالبنا ، دعت فيه إلى ضرورة التزاوج بين فئات المجتمع الموريتاني، في خطوة تعكس حرصًا صادقًا على الوحدة الوطنية، وإيمانًا بأن القناعة والاحترام ينبغي أن يكونا الأساس في بناء العلاقات الإنسانية قبل أي اعتبار آخر.

ومن حيث المبدأ، لا يسع المتأمل في هذا الطرح إلا أن يلمس صدق النية، ومستوىً معرفيًا متقدمًا، وشجاعة فكرية نادرة في مقاربة موضوع ظلّ طويلًا حبيس الحساسيات والصمت. فحين تصدر مثل هذه الدعوات عن شخصيات عامة ذات تجربة ومسؤولية، فإنها تُقرأ في أصلها بوصفها بحثًا عن وطن أكثر اتساعًا وعدلًا، لا بوصفها مجرد تصريح عابر.

غير أن حسن المقاصد، مهما بلغ صفاؤه، لا يكفي وحده لبلوغ الأثر المنشود؛ فالأفكار لا تتحرك في فراغ، بل تنزل دائمًا على أرض اجتماعية لها تاريخها وتعقيدها وحساسياتها المتراكمة.

فالمجتمع كائن مركّب، مثقل بذاكرة طويلة وتجارب متباينة، وبخطابات لم تنجح دائمًا في تهدئة المسافات بين مكوّناته. وفي خضم ذلك، لم تُسهم بعض أساليب المعالجة والمقاربات التي غلب عليها منطق الاصطفاف أكثر من منطق التقريب في تهيئة المناخ اللازم لمثل هذه الدعوات الجامعة. وحين تتقدّم لغة التصنيف على لغة الجسر، يصبح أي مشروع للوحدة مطالبًا أولًا بإعادة بناء الثقة قبل أن يطرح عناوينه الكبرى.

ولعل ما زاد من حساسية التفاعل مع المقترح أن صدوره عن شخصية تنتمي، في الوعي الجمعي، إلى حاضنة اجتماعية يُنظر إليها باعتبارها في صدارة الترتيب التقليدي للمجتمع، قد ولّد لدى البعض قدرًا من الدهشة، بل ما يشبه الصدمة؛ لا اعتراضًا على المبدأ في ذاته، بقدر ما هو ارتباك أمام كسر صورة نمطية مترسخة. وهو ما يكشف أن التحدي لا يكمن في عدالة الفكرة بقدر ما يكمن في استعداد الذهنيات لاستقبالها.

ومن ثمّ، في مثل هذا المناخ، قد لا تصل الرسالة كما أُريد لها أن تصل، وقد يتحول المقصد النبيل إلى مادة جدل أو يُحمَّل ما لا يحتمل من التأويل. بل إن الدعوات الرافضة التي بدأت تظهر كردّ فعل على هذا الطرح تبدو، في جانب منها، وكأنها تعكس طبيعة التربة التي استقبلت الفكرة؛ فكأن البذور أُلقيت في أرض لم تتهيأ بعد لاستنباتها، وهو ما يفسّر أن المقاربة، رغم وجاهتها الأخلاقية وصدق نواياها، جاءت سابقة لزمانها أكثر مما هي موضع خلاف في جوهرها.

ومن هنا يتضح أن الإشكال ليس في الفكرة ذاتها، فهي في جوهرها إنسانية وأخلاقية، بل في المسافة الفاصلة بين المثال والواقع؛ بين ما نتمناه لوطننا، وما تسمح به اللحظة الاجتماعية الراهنة. فبعض التحولات لا تُنجز بالقفزات ولا بالشعارات، بل بخطوات هادئة تُراكم الثقة، وتُصلح الخطاب، وتُهيئ النفوس قبل أن تغيّر العناوين.

لهذا يبدو أن الطريق إلى الوحدة لا يمر دائمًا عبر الطروحات الكبيرة بقدر ما يمر عبر عمل صامت طويل النفس، يداوي الجروح القديمة، ويُخفف الاحتقان، ويُعيد بناء الثقة بين الناس بعيدًا عن الأضواء.

هكذا نفهم أن صدق المقصد لا يكفي وحده، وأن الفكرة حين تسبق سياقها كثيرًا قد تبدو أقرب إلى الحلم منها إلى الممكن… لا لأنها خاطئة، بل لأن زمنها لم يحن بعد. غير أن الأفكار الصادقة لا تضيع، فهي وإن تعثّرت في بداياتها، تظلّ تترك أثرها في الوعي العام، وتبقى نواةً جادة لكل مشروع يسعى يومًا إلى جمع ما تفرّق وبناء ما تصدّع. وهكذا تُمهّد البذور الصامتة لما لا تصنعه الشعارات العالية.

محمد لحظانه

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى