تحييد ملف الإرث الإنساني من الحوار المزمع حماية للمسار القائم وتفادي فتح ملفات مطلبية موازية / محمد لحظانه

إدراج ملف ما يُعرف بالإرث الإنساني ضمن جدول أعمال الحوار الوطني لا يطرح فقط مسألة ترتيب الأولويات، بل يثير سؤالًا أعمق يتعلق بجدوى إعادة طرح ملف دخل فعليًا طور المعالجة، وكيفية صون مساره من التداخل الذي قد يُربك تقدمه أو يُعيد تعريفه خارج سياقه الطبيعي.
ذلك أن هذا الملف لم يعد موضوع تشخيص أو نقاش أولي، بل أصبح ضمن مسار قائم، تقوده الدولة بإشراف مباشر من فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في إطار مقاربة متدرجة تقوم على تفاعل مباشر مع أصحاب الحقوق. وهي مقاربة تُضفي على المعالجة طابعًا عمليًا متصلًا بالواقع، يجعلها أقرب إلى جوهر الإشكال، وأبعد عن الطروحات العامة التي قد لا تلامس تعقيداته الدقيقة.
وإذا كان هذا المسار قد تأسس على هذا النحو، فإن نقل الملف إلى إطار حوار عام لا يبدو منسجمًا مع طبيعته، إذ قد يُعيده، من حيث لا يُقصد، إلى مستوى نقاش نظري، بعد أن بدأ يتشكل كمعالجة تنفيذية قائمة. كما قد يُفضي ذلك إلى إعادة تعريفه كموضوع تفاوضي، بما يترتب عليه من احتمال مصادرة ما تحقق فيه، أو إعادة نسب نتائجه إلى سياق جديد، بدل أن تبقى امتدادًا طبيعيًا للمبادرة التي أطلقته وقادته.
ويزداد هذا الاعتبار أهمية حين يُنظر إلى ما قد يترتب على إبقاء هذا الملف مفتوحًا في فضاء التجاذب. فمثل هذه القضايا، بحساسيتها، قد تتحول لدى البعض إلى أداة ضغط جاهزة، يُعاد تحريكها كلما دعت الحاجة، لا لتقريب الحل، بل لإبقاء الملف حاضرًا في سياقات التوظيف الظرفي. وهو ما يجعل تحييده، في هذه المرحلة، أقرب إلى تحصينه من الاستهلاك السياسي، وإعادته إلى مساره الطبيعي كموضوع معالجة لا كأداة للتلويح.
أما على مستوى المآلات، فإن طبيعة هذا الملف تقتضي أن تظل نتائجه ضمن إطار تسويات رمزية توافقية، تُحقق الاعتراف والإنصاف المعنوي، دون أن تنفتح على مسارات مطلبية واسعة. ذلك أن توسيع هذا الإطار لن يعني بالضرورة تعميق الحل، بقدر ما قد يفتح الباب أمام مطالبات متسلسلة أو ملفات موازية يصعب ضبطها لاحقًا، بما قد يُعيد إنتاج قضايا مشابهة بدل أن يُنهيها.
وفي هذا السياق، يصبح تحييد الملف عن الحوار خطوة منسجمة مع غايته، لا متعارضة معها. فهو لا يُقصي القضية، بل يحميها من التشتت، ويصون ما تحقق فيها من أن يُعاد توظيفه أو تفريغه من مضمونه.
كما أن الحفاظ على تمايز المسارات يضمن وضوح الأدوار، ويمنع تداخلًا قد يُربك المعالجة بدل أن يدعمها: فالمسار التنفيذي التشاركي يستمر في معالجة الملف ضمن منطلقاته، بينما يظل الحوار الوطني فضاءً للقضايا التي ما تزال في طور الانتظار، حيث يمكن أن يؤدي دوره الكامل دون أن يتداخل مع ما بدأ بالفعل.
هكذا يصبح التحييد، في مثل هذه الحالات، حماية للمسار لا تقليصًا للنقاش، وصونًا للمنجز من أن يتحول إلى مدخل لمطالب لا تنتهي، بما يحفظ توازن المعالجة ويُعزز فرص اكتمالها.
محمد لحظانه