بين تثمين الإصلاح وكلفة التأخر / محمد لحظانه

ليست كل القرارات الصعبة وليدة أزمات مفاجئة؛ فبعضها يكون معروف الحاجة منذ وقت مبكر، لكن تأجيله يجعل كلفته عند التنفيذ أعلى، وأثره الاجتماعي أشد. وفي هذا السياق يمكن فهم الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات والغاز بوصفها تصحيحًا ضروريًا ومطلوبًا للحفاظ على التوازنات، حتى وإن جاء في توقيت جعل أثره أكثر حدة على المجتمع.

ذلك أن سياسة الدعم، حين تستمر خارج توازناتها لفترة طويلة، تفقد تدريجيًا قدرتها على الحماية، وتتحول إلى عبء ثقيل على المالية العمومية. ومع الارتفاع المتواصل لأسعار الطاقة عالميًا وتزايد كلفة الاستيراد، لم يعد من الممكن الإبقاء على نفس مستويات الدعم دون كلفة متصاعدة. ومن هذه الزاوية، تبدو هذه الإجراءات خطوة في الاتجاه الصحيح، تعكس إرادة واضحة لتصحيح اختلالات لم يعد من الممكن الاستمرار فيها.

غير أن ما يزيد من كلفة هذا التصحيح، ليس مبدؤه، بل توقيته. فما يُحسب اليوم كقرار شجاع وضروري، كان يمكن أن يُتخذ في فترات أكثر ملاءمة، حين كانت هوامش الحركة أوسع، وحين كان بالإمكان توزيعه على مراحل أكثر تدرجًا، بما يخفف من أثره المباشر على كلفة النقل وأسعار المواد الأساسية، ويحد من انتقاله السريع إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.

وفي موازاة هذا التصحيح، جاءت الحزمة الاجتماعية المصاحبة—من رفع الحد الأدنى للأجور، وتقديم تحويلات مالية للأسر الهشة، ودعم صغار الموظفين—كخطوة مهمة تعكس وعيًا بضرورة مرافقة الإصلاح بإجراءات تخفف من أثره الاجتماعي. وهي في هذا السياق تعزز بعد العدالة في القرار، وتؤكد أن الإصلاح لا ينبغي أن يُدار بمعزل عن أوضاع الفئات الأكثر هشاشة.

ومع ذلك، فإن التحدي لا يكمن فقط في حجم هذه الإجراءات، بل في قدرتها على إحداث أثر مستدام. فالدعم النقدي المباشر، رغم أهميته، يظل في كثير من الأحيان محدود الأثر حين يظل محصورًا في تلبية احتياجات آنية، خاصة في سياق ترتفع فيه الأسعار بوتيرة تمتص جزءًا كبيرًا من أثره.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى توجيه الجهد العمومي نحو ما هو أكثر رسوخًا تخفيف كلفة النقل، تحسين جودة الخدمات الأساسية، ودعم أنشطة مدرة للدخل تُمكّن المواطن من مواجهة التحولات بدل أن يبقى في دائرة التلقي.

أما الإجراءات الترشيدية المصاحبة، بما شملته من تقليص للنفقات واقتطاعات من رواتب كبار المسؤولين، فهي خطوة ذات دلالة إيجابية، لأنها تعزز مبدأ تقاسم الأعباء، وتبعث برسالة مفادها أن الإصلاح لا يُحمَّل لطرف دون آخر. غير أن هذه الخطوة تفتح في الوقت ذاته أفقًا لمراجعة أوسع، تتجاوز الطابع الظرفي نحو إعادة النظر في بنية الإنفاق العمومي نفسها.

فمثل هذه اللحظات لا تقتصر على إدارة الأثر، بل تتيح أيضًا فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، من خلال تقييم هادئ لجدوى بعض الهياكل والمؤسسات، خاصة تلك التي لم يعد أداؤها يعكس حجم الموارد المخصصة لها. كما تبرز الحاجة إلى إعادة هيكلة بعض القطاعات، وفي مقدمتها الإعلام العمومي، بما يضمن انتقاله من منطق الاستمرار إلى منطق الفعالية والتأثير.

وفي العمق، تكشف هذه التطورات عن مسألة تتكرر في مسار الإصلاح، وهي الفجوة بين وضوح الرؤية وتأخر التنفيذ. فالإصلاح لا يفقد قيمته حين يُتخذ، بل حين يُؤجَّل حتى يُفرض تحت ضغط الواقع، بكلفة أعلى وهوامش أضيق. وهنا تتأكد مسؤولية الجهاز التنفيذي، لا فقط في تنفيذ القرار، بل في استباق الحاجة إليه، واتخاذه في اللحظة التي تقل فيها كلفته وتتعاظم فيها جدواه.

إن ما جرى يعكس إرادة إصلاح لا يمكن إنكارها، ويستحق التثمين من حيث مبدئه واتجاهه، لكنه يذكّر في الوقت ذاته بأن كلفة القرار لا تُقاس بمضمونه فقط، بل بتوقيته أيضًا. فبين قرار يُتخذ في زمن الرخاء بهدوء وتدرج، وآخر يُفرض في لحظة ضغط، يتحدد الفرق في الكلفة… ويتحدد معه مدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين الضرورة والعدالة.

وهنا يتحدد الفارق بين إصلاح يُدار برؤية واستباق، وآخر يُفرض تحت ضغط التراكم؛ فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تُصلح، بل تلك التي تُحسن توقيت الإصلاح، وتُدير كلفته بعدالة، وتملك الجرأة على مراجعة ذاتها قبل أن تفرض عليها الظروف ذلك.

محمد لحظانه

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى