الأستاذ أبي ولد معاذ يكتب: الحصانة وحرمة الأعراض

ليس كلُّ رأيٍ يُعبَّر عنه يُعدّ إساءة، كما أنّ ليست كلُّ عبارةٍ خارجةٍ عن المألوف جريمةً في ذاتها؛ غير أنّ الفارق بين حرية الرأي والإساءة إلى الأشخاص أو الجماعات فارقٌ جوهري، يُدركه من استصحب ميزان العدل، وغاب عن من غلبته الأهواء وردود الأفعال.
فالرأي – وإن خالف السائد أو صادم المألوف – يُناقَش بالحجة، ويُرَدّ بالدليل، وتُقابَل فكرته بالفكرة، دون تعرّضٍ لذوات قائليه. أمّا الإساءة، فهي خروجٌ من ساحة النقاش إلى ميدان التجريح، ومن منطق الحجة إلى لغة الاستفزاز، وهذه لا تُقبل، ولا يُسوَّغ السكوت عنها.
وما صدر عن النائبتين في البرلمان الموريتاني – بغضّ النظر عن انتمائهما السياسي أو العرقي، أو انتمائهما إلى أي حركة كانت – يجب أن يُنظر إليه من زاوية واحدة:
هل هو رأي يُناقَش، أم إساءة تُستنكر؟
لا من زاوية: من قاله؟ ومن أي بيئةٍ خرج؟ فالحواضن، على اختلافها، لا تُكسب القول حصانة من النقد، ولا تمنحه صكّ البراءة من الخطأ.
غير أنّ الخطر الأكبر لا يكمن فقط في القول المسيء، بل في كيفية الردّ عليه؛ إذ إنّ من يردّ على إساءةٍ بإساءةٍ مثلها، أو أشدّ منها، إنما يُسهم في توسيع دائرة الانحطاط، لا في إغلاقها.
وأشدّ من ذلك سوءًا أن يُتَّخذ الردّ منحًى عرقيًا بغيضًا، يُصنّف الناس على أصولهم، ويُحمِّل الجماعات ما لا تتحمّله، فيتحوّل النقاش من مساءلة فعلٍ محدّد إلى شيطنة مكوّنٍ بأكمله.
وهنا ينقلب الموقف:
فيصبح المسيءُ إليه في بداية الأمر، مسيئًا في نهايته، ويغدو المدافع عن القيم أو العدالة واقعًا في نقيضها، حين يلوّث خطابه بلغة العصبية والتمييز.
إنّ من أكبر الأخطاء التي يقع فيها الخطاب العام، الخلط بين المحاسبة على القول والطعن في الأصل، وبين نقد الموقف والانتقاص من الهوية. وهذا خلطٌ ينسف أسس النقاش الرشيد، ويُحوّل الفضاء السياسي إلى ساحة تنازعٍ بدائي، لا مكان فيه لقيمةٍ ولا لميزان.
ثم إنّ مما ينبغي التنبيه عليه بوضوح:
أنّ الحصانة القانونية – مهما بلغت قوتها – لا تعلو على حرمة الأعراض، ولا تُسقط مسؤولية الكلمة.
فقد تمنح القوانين للبرلماني أو المسؤول حصانةً إجرائيةً في نطاق عمله، لكنّ الشريعة والأخلاق تجعل للأعراض حرمةً مصونة، لا يُبيحها منصب، ولا يُجيز انتهاكها موقع.
فليس لأحدٍ أن يتّخذ من حصانته القانونية ذريعةً للتعدّي على كرامات الناس، كما ليس لغيره أن يتّخذ من خطئه مبررًا للانحدار إلى مستواه أو أسوأ منه.
إنّ عصمة الأعراض في ميزان القيم الشرعية والأخلاقية أعلى شأنًا، وأشدّ إلزامًا، وأبقى أثرًا من كل حصانةٍ قانونيةٍ زائلة، لأنها تتعلق بجوهر الكرامة الإنسانية التي لا يجوز المساس بها بحال.
وعليه، فإنّ الموقف المتزن يقتضي أمرين متلازمين:
رفض الإساءة كائنةً من كان قائلها، دون تبريرٍ أو تمييع.
ورفض الردّ عليها بخطابٍ عنصري أو تحقيري، لأنّ ذلك لا يُصحّح الخطأ بل يُضاعفه.
إنّ الرقيّ في الخطاب السياسي لا يكون بانتقاء المواقف فحسب، بل – وهو الأهم – بانتقاء العبارات والأساليب؛ فكم من موقفٍ صحيحٍ أفسدته عبارة، وكم من قضيةٍ عادلةٍ شوّهها خطابٌ منفلت.
فلنُدرك أنّ الكلمة ليست مجرد أداة تعبير، بل هي مسؤولية، وأنّ الخطاب ليس مجرد وسيلة تأثير، بل هو معيار وعيٍ ومرآة أخلاق.
وإذا أردنا أن نبني فضاءً سياسيًا سليمًا، فإنّ أول ما ينبغي إصلاحه هو لغة الخطاب، قبل أن يكون إصلاح المواقف والانتماءات.