حين لا يُرى الإنجاز يملأه التشويش / محمد لحظانه

المشكلة اليوم ليست في غياب الإنجاز، بل في عجزه عن أن يُرى كما هو. فالدولة تمضي في مسار إصلاحي يتقدم بثبات، وتتحقق على الأرض نتائج ملموسة، غير أن هذه النتائج لا تجد دائمًا طريقها إلى الوعي العام بالقوة نفسها. وفي هذا الفراغ، تفقد بعض النقاشات توازنها، وتجد السرديات الأكثر ضجيجًا طريقها لتملأ المساحة.

وليس في إثارة القضايا ما يُلام، فالنقاش حول الفساد، وأداء الإدارة، والحوار الوطني يظل ضروريًا. غير أن الخلل يبدأ حين تُقدَّم هذه الملفات في صورة واحدة توحي بأن كل شيء متعثر، دون تمييز بين ما هو اختلال بنيوي، وما هو مسار قائم في طور المعالجة. عندها، يفقد النقد جزءًا من قدرته على الإسهام في التصحيح، لأنه يغفل الاتجاه العام.

وفي مقابل هذا الضجيج، توجد سياسات عمومية تمس حياة المواطن مباشرة، مثل التحويلات النقدية التي تُشرف عليها التآزر، والتي تمثل في عمقها حدًا أدنى من الاستقرار لآلاف الأسر. والنقاش الأجدى هنا لا يتمحور حول نفي هذه السياسات أو تأكيدها، بل حول كيفية تطويرها وتوسيع أثرها.

وعندما ننتقل إلى البنى التحتية، تتضح ملامح التحول بشكل أكثر واقعية. فطريق الأمل، بعد تأهيله، لم يعد مجرد مشروع، بل اختصارًا فعليًا في الزمن والتكلفة. وفي نواكشوط، لم تعد الجسور مجرد منشآت، بل حلول يومية خفّفت من ضغط الازدحام، في سياق أوسع من التدخلات التي يشملها البرنامج الاستعجالي لتنمية المدينة. ومع ذلك، تظل تحديات الصيانة وجودة الإنجاز قائمة. وهذه الأمثلة لا تُذكر على سبيل الحصر، بل كمدخل لقراءة مسار أوسع يتشكل على الأرض.

وينطبق هذا المنطق على التعليم، حيث يُختزل النقاش في مظاهر القصور، دون استحضار طبيعة الإصلاح التربوي كمسار لمعالجة اختلالات عميقة. وفي قطاع الصحة، ورغم ما تحقق من توسع في الخدمات، ما تزال تحديات الجودة والولوج قائمة، في صورة تعكس تقدمًا غير مكتمل أكثر مما تعكس غيابًا كليًا.

وفي ملف الهجرة، برزت مقاربة تحاول تحقيق التوازن بين الاعتبارات الأمنية والإنسانية، في سياق لا يقبل حلولًا بسيطة. كما امتد الجدل إلى تطبيق النصوص القانونية، سواء في واقعة النائبتين من حركة إيرا أو في قراءة إصلاح قانون الأحزاب، حيث طُرحت تساؤلات حول العدالة والانتقائية، وهو ما يعكس في جانب منه فجوة في الثقة بقدر ما يعكس اختلافًا في التقدير.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد سعت الدولة إلى التخفيف من آثار الأزمات الدولية عبر سياسات لحماية القدرة الشرائية، تعكس منطق إدارة للمخاطر في بيئة مضطربة. وفي السياق ذاته، برز حضور دبلوماسي أكثر فاعلية، وتنامت ثقة الشركاء والممولين، بما يعكس قراءة إيجابية لمسار الاستقرار والإصلاح، حتى وإن لم ينعكس ذلك دائمًا بنفس الوضوح في النقاش الداخلي.

لكن، ورغم هذا المسار المتعدد الأبعاد، تبقى المعضلة في مكان آخر. فالمشكل لم يعد في ما يُنجز فقط، بل في القدرة على تحويله إلى وعي عام، وفي جودة الأدوات التي تواكب هذا التحول.

وهنا يبرز الخلل بوضوح: فالحزب الحاكم، رغم اتساع حضوره، لم ينجح في بناء خطاب يشرح السياسات العمومية بلغة قريبة من الناس، ولم يتمكن من تحويل المنجز إلى رواية مقنعة. كما أن المؤسسات الإعلامية بقيت، في كثير من الأحيان، أسيرة النقل البارد للمعلومة، دون جهد كافٍ في الشرح والتأطير. وحتى على مستوى الخلية الإعلامية برئاسة الجمهورية، لا يبدو أن الدور المنتظر قد اكتمل بعد، إذ ظل حضورها في الغالب محصورًا في نقل المواعيد والإجراءات، دون الارتقاء إلى مستوى التفسير وصناعة المعنى، وهو ما جعل أثرها في مواكبة المنجز محدودًا قياسًا بحجم الحاجة.

ويتعزز هذا الضعف بعامل لا يقل تأثيرًا، يتمثل في إشكالية إسناد الوظائف، حيث لا تُراعى دائمًا المعايير التي تضمن اختيار الكفاءات القادرة على الفهم والتواصل ومواكبة العمل التنفيذي، وهو ما يحدّ من فعالية الإدارة ويُبطئ أثر الإصلاح.

ومع ذلك، يظل من الإنصاف الإشارة إلى أن مستوى تنسيق العمل الحكومي شهد تطورًا ملحوظًا، وبلغ درجة من الانسجام يمكن اعتبارها من بين الأفضل خلال الحكومات المتعاقبة، وهو ما يعكس تحسنًا في إدارة الأولويات ومتابعة التنفيذ. غير أن هذا التقدم، على أهميته، يبقى في حاجة إلى مواكبة سياسية وإعلامية وإدارية تضمن تحويله إلى أثر ملموس في وعي المواطن.

وهنا تتضح الصورة: إنجاز يتقدم، لكن إدراكه يتأخر. وفي هذا التفاوت، ينشأ فراغ تملؤه السرديات الأكثر حضورًا، لا بالضرورة الأكثر دقة.

والمطلوب اليوم ليس فقط مواصلة الإصلاح، بل مرافقة هذا الإصلاح بخطاب يقرّب معناه ويُشرك المواطن في فهمه. فالث8قة لا تُبنى بالإنجاز وحده، بل بقدرة هذا الإنجاز على أن يُفهم ويصل.

إن المعركة لم تعد فقط معركة إنجاز، بل معركة إدراك. فحين لا يُرى الإنجاز، يملأه التشويش وحين يُدرك، يتحول إلى قوة تحميه.

محمد لحظانه

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى