المصاهرة لاتنشئ سلطة….!! / محمدفال طالبن

من أخطر ما خلّفه النظام السابق، تلك الثقافة التي جعلت من المصاهرة برأس الدولة أكثر من رابطة اجتماعية، وألبست الأصهار منزلةً تكاد توازي المناصب، حتى أصبح القرب العائلي في بعض الأحيان عنوانًا للنفوذ، ومصدرًا للحسابات، وربما سببًا كافيًا لإعادة النظر في أبسط الحقوق.
غير أن بعض المكانات لا تحتاج إلى مناصب كي تُعرف، لأنها سبقت المناصب، وبقيت أرفع من أن تُختزل فيها. فمحمد ولد الشيخ الغزواني شيخ وابن مشايخ قبل أن يكون رئيسًا، ومريم الداه ابنة شخصية اجتماعية مرموقة قبل أن تكون السيدة الأولى. وفي مجتمع يعرف للناس أقدارهم، لا يستقيم أن يُختزل جدو ولد خطري في صلة مصاهرة، أو أن يُنظر إلى رأيه باعتباره امتدادًا لموقع غيره.
ثم إن الرأي لا يصبح أقل شرعيةً لأنه صدر من قريب، ولا يتحول الدعم إلى صمت، ولا تُقاس المواطنة بدرجة البعد عن دوائر الحكم. والرئيس نفسه أعلن احترامه لرأي المواطنين في قضية المأموريات. فكيف يُطلب من المواطن أن يكون صاحب رأي حين يكون بعيدًا، وأن يصبح مجرد تابع حين يقترب؟
هنا تحديدًا ينبغي الانتباه إلى خطورة بعض القراءات التي تحوّل الاختلاف إلى خصومة، وتبحث في كل رأي عن صراع مستتر. فافتعال مواجهة بين الوزير الأول وولد خطري لا يخدم النظام، بقدر ما يعيد إلى الواجهة إحدى أكثر مخلفات الماضي إيذاءً: أن تُستمد السلطة من المصاهرة، وأن تُقرأ المواقف من خلال القرابة، وأن يصبح القرب من رأس الدولة سببًا في مصادرة حق أصحابه في التعبير.
والوزير الأول، في قضية المأموريات، لم يعلن موقفًا صريحًا حتى يُحاكم عليه. أما الكتلة السياسية الوازنة التي يُحسب عليه تمثيلها، فلا يمكن اختزالها في صمت، ولا تجاوز رأيها بتأويل، ولا التعامل معها كأنها تفصيل زائد في معادلة الحكم.
إن السياسة الرشيدة لا تُدار بمنطق الظنون، ولا تُبنى على صناعة الخصوم، ولا تحتاج إلى إضعاف أحد كي تثبت قوة أحد. وما يحتاجه النظام، في مثل هذه اللحظات، ليس إعادة إنتاج منطق الأصهار، بل تجاوزه؛ وليس تحويل اختلاف الرأي إلى أزمة، بل استيعابه ضمن مؤسسات الدولة وموازين السياسة.
فالمكانة الاجتماعية لا تُستمد من المنصب، والمصاهرة لا تنشئ سلطة، والرأي لا يصبح خروجًا على الصف لمجرد أنه لا يطابق ما يُراد له أن يكون.
وأحيانًا، لا يكون الخطر في العبارة التي قيلت، بل في السلطة التي يُراد أن تُمنح لمن يفسرها.
فمن أراد حماية النظام، فليحمه من مخلفات الماضي، لا أن يعيد تقديمها في ثوب جديد.