ليس كل نظام ناجح في بلدٍ ما صالحًا لبلد آخر، وليس كل تغيير إصلاحًا / محمد ولد لحظانه

فالأنظمة السياسية ليست قوالب جاهزة للاستنساخ، والديمقراطية لا تُختزل في شكل النظام، رئاسيًا كان أم برلمانيًا، بل في قدرة المؤسسات على تجسيد إرادة الشعب، وضمان خضوع السلطة للقانون والمساءلة.

ولأن لكل بلد خصوصيته ومرحلة تطوره، فإن أولويات الدول الأفريقية لا تتعلق باختيار الصيغة الدستورية فحسب، بل تشمل استكمال بناء المؤسسات، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع الولوج إلى الخدمات الأساسية، وترسيخ نظام انتخابي شفاف ونزيه يضمن تكافؤ الفرص بين الفرقاء السياسيين، ويعزز الثقة في العملية الديمقراطية.

ومن هذا المنطلق، فإن استكمال بناء الدولة لا يستلزم بالضرورة تغيير النظام القائم، بل قد يكون تطويره وتصحيح اختلالاته هو الخيار الأجدى. فالمعيار ليس الحفاظ على النظام لمجرد استمراره، ولا تغييره لمجرد التغيير، وإنما تقييم أدائه، ومعالجة أوجه القصور فيه، وتطوير مؤسساته بما يستجيب لحاجات المجتمع وتطلعاته.

غير أن الاستمرارية لا تعني الجمود، كما أن الاستقرار لا يمنح السلطة حصانة من الإصلاح. فالرئيس المنتخب على أساس برنامج محدد يتلقى تفويضًا لتنفيذه في إطار الدستور والقانون، وتظل صلاحياته خاضعة للضوابط الدستورية وآليات المساءلة. أما التعديلات الجوهرية التي تمس الخيارات الدستورية، فينبغي أن تتم وفق الإجراءات المقررة، مع الرجوع إلى الشعب متى نص الدستور على ذلك أو اقتضت طبيعة التغيير هذا الرجوع.

وفي السياق نفسه، لا ينبغي اختزال الديمقراطية في مسألة تحديد المأموريات الرئاسية، بمعزل عن نزاهة الانتخابات، وقوة المؤسسات، وضمان الحقوق والحريات، والتداول السلمي على السلطة. فالصيغ الدستورية تتعدد، لكن نجاحها يظل رهينًا بمدى ملاءمتها لواقع البلدان، وفاعلية مؤسساتها، واحترام القواعد التي تنظم ممارسة السلطة.

أما في بلادنا، فإن الأولوية ينبغي أن تظل استكمال بناء الدولة وترسيخ مؤسساتها، بمواصلة المسار القائم، مع إدخال التصحيحات الضرورية كلما كشفت التجربة عن الحاجة إليها. فالإصلاح الأكثر جدوى هو الذي يراكم المكتسبات، ويعالج الاختلالات، ويعزز الثقة في المؤسسات، ويستجيب لتطلعات المواطنين، دون أن يجعل التغيير غاية في حد ذاته.

فالدول لا تُبنى بتغيير الأنظمة لمجرد التغيير، ولا بالتمسك بها دون مراجعة، بل باستمرارية واعية تقترن بالإصلاح، ومؤسسات قوية تحمي إرادة الشعب، وديمقراطية تتجذر بالممارسة لا بمجرد النصوص.

وبناءً على ما سبق، لا أرى جدوى في تغيير النظام القائم لمجرد تغيير صيغته، ما دامت الأولوية الحقيقية هي استكمال بناء الدولة، وتعزيز مؤسساتها، وتصحيح الاختلالات التي تكشف عنها الممارسة. فالأجدى، في تقديري، هو مواصلة المسار القائم وتطويره بما يستجيب لتطلعات المواطنين، بدل الانشغال بتغيير الشكل قبل استكمال مقومات المضمون.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى